تحليل فقهي لمسألة إخضاع العقود البترولية للقانون الدولي، مع استعراض آراء الفقهاء وأساس تطبيق القانون الدولي على هذه العقود. مقدمة يذهب ج...
تحليل فقهي لمسألة إخضاع العقود البترولية للقانون الدولي، مع استعراض آراء الفقهاء وأساس تطبيق القانون الدولي على هذه العقود.

مقدمة

يذهب جانب من الفقه إلى إخضاع العقود البترولية المبرمة بواسطة الدولة أو الأجهزة العامة التابعة لها مع الشركات البترولية الأجنبية للقانون الثالث. بيد أن الحجج والأسانيد التي يستندون إليها تختلف من فقيه إلى آخر. حيث نجد المدرسة الحديثة توجب تأسيس العقد على نظام معين، لكنها في الوقت نفسه تجد القانون الوطني للدولة المضيفة والقانون الدولي غير مناسبين للتطبيق على الاتفاقات البترولية. وتدعو هذه المدرسة إلى تطبيق طائفة ثالثة من النظم القانونية تتكون من المبادئ العامة والقانون التجاري الدولي. إلا أن الفقه دافع عن ضرورة خضوع عقود الدولة للقانون الدولي، وهو ما يعد وسيلة لمقاومة الطابع الخاص الذي يطبقه القضاء على العقود البترولية.
الأفكار التي تطالب بتطبيق القانون الدولي على العقود البترولية

يعتبر الفقيه "مان" من أبرز الفقهاء الذين نادوا بتطبيق القانون الدولي العام على العقود المبرمة بين الدولة والأشخاص الخاصة، بما في ذلك عقود البترول، وذلك إعمالاً لمبدأ سلطان الإرادة المقرر في القانون الدولي الخاص. وعلى الرغم من أن الأشخاص الدولية تتعاقد عادة في نطاق القانون الدولي العام، إلا أنه لا توجد أي قاعدة قانونية تحظر عليهم إخضاع معاملاتهم لنظام قانوني وطني من اختيارهم. لقد أراد بعض الفقهاء من ذلك أن يصل إلى نتيجة معينة؛ وهي أن العقود البترولية تابعة لنظام قانوني وطني، وتكون محكومة بواسطة نظام قانوني داخلي مختار من قبل الأطراف. ومع ذلك، فإنه من الممكن لهذه العقود التي يكون أحد أطرافها فقط من أشخاص القانون الدولي أن تخضع للقانون الدولي.
وقد ذهب بعض الفقهاء في سبيل الرد على الاعتراض المتمثل في أن القانون الدولي العام لا يتضمن بعض القواعد القانونية التي تحكم العقود البترولية إلى تطبيق المبادئ القانونية التي تحكم المعاهدات. خاصة وأن المعاهدات التجارية المبرمة بين الأشخاص الدولية المستثمرة في مجال البترول والأشخاص الخاصة لا تختلف كثيراً من حيث طبيعتها وموضوعاتها عن المعاهدات المبرمة بين الأشخاص الدولية.
لقد تبنى الفقه وجهة نظره في تدويل هذا النوع من العقود وإخضاعها للقانون الدولي العام على أساس نظرية القانون المناسب في القانون الدولي الخاص. فهو يرى أن مسألة ما إذا كان من الجائز للأشخاص الدولية المستثمرة في مجال البترول والدول المضيفة إخضاع عقودهم للقانون الدولي العام، فذلك أمر يتعلق بنظرية القانون المناسب في القانون الدولي الخاص أكثر من تعلقه بالقانون الدولي العام بذاته.
تأييد مجمع القانون الدولي
من الجدير بالذكر أن غالبية الفقهاء أعضاء اللجنة الحادية والعشرين المخصصة لبحث مسألة النظام القانوني الذي يحكم العقود المبرمة بين الدولة والأشخاص الأجنبية قد أعربوا أثناء أعمال مجمع القانون الدولي في دورة انعقاده بأوسلو سنة 1977 عن موافقتهم على جواز اتفاق الأطراف على اختيار القانون الدولي العام باعتباره القانون الذي يحكم العقد. ولقد أيد بعض الفقهاء (مقرر اللجنة) وخاصة المادة الثانية من التوصيات التي أصدرها مجمع القانون الدولي التي أجازت للأطراف اختيار القانون الدولي كقانون واجب التطبيق على العقد.
أسس تطبيق القانون الدولي
يمكن القول بوجه عام بتطبيق القانون الدولي على الاتفاقيات البترولية استناداً إلى واحد أو أكثر من الأسس الثلاثة التالية:
- طبقاً لقانون الدولة الطرف، أو أي قانون وطني آخر، إذا سمح هذا القانون بانطباق القانون الدولي على الاتفاق.
- بقوة القانون الدولي ذاته، بما في ذلك قواعده الاتفاقية، وذلك عندما تقضي إحدى المعاهدات المناسبة بانطباق القانون الدولي.
- بموجب اتفاق الأطراف الصريح أو الضمني على إخضاع العقد للقانون الدولي.
هذا التوجه الفقهي يعزز فكرة أن العقود البترولية ليست مجرد عقود خاصة تخضع للقانون الوطني فحسب، بل يمكن أن تكتسب صفة دولية تخضع للقانون الدولي العام، خاصة في ظل تزايد الاستثمارات البترولية عبر الحدود وأهمية الاستقرار القانوني لهذه العقود. ولا شك أن هذا الموقف يثير جدلاً واسعاً في الفقه القانوني، لكنه يبقى خياراً متاحاً للأطراف لضمان حماية حقوقهم في إطار دولي.
COMMENTS