دراسة مقارنة للتحقيق الإعدادي مع الحدث الجانح في القانونين المغربي والموريتاني، مع تحليل السلبيات والضمانات القانونية وحماية حقوق الطفل. م...
دراسة مقارنة للتحقيق الإعدادي مع الحدث الجانح في القانونين المغربي والموريتاني، مع تحليل السلبيات والضمانات القانونية وحماية حقوق الطفل.

ما هو التحقيق الإعدادي؟ وهل يصلح للأحداث؟

التحقيق الإعدادي هو مرحلة حاسمة في الدعوى العمومية، تسبق المحاكمة، ويشرف عليها قاضٍ متخصص. لكن حين يتعلق الأمر بالحدث الجانح – أي الطفل الذي لم يتجاوز 18 سنة والمتهم بارتكاب جريمة – تظهر إشكالات كبرى. ففي القانون المغربي، ينص قانون المسطرة الجنائية على إحالة قضايا الأحداث إلى قاضي الأحداث المكلف بالتحقيق، بينما في موريتانيا يتولى قاضي التحقيق المكلف بالأطفال هذه المهمة. المشترك بين النظامين هو أن التحقيق الإعدادي قد يحمل سلبيات جسيمة على الحدث، خاصة إذا لم تراعَ خصوصيته النفسية والاجتماعية. أنا هنا لا أتحدث عن نظرية، بل عن واقع أراه يوميًا في قاعات المحاكم: حدث يُقتاد مقيدًا إلى مكتب القاضي، دون أن يفهم لماذا هو هناك.
السلبيات الأولى: الإجراءات الصارمة لا تناسب الطفل

لنكن واضحين: تطبيق إجراءات التحقيق الإعدادي العادية – كالاستماع في محاضر رسمية، والمواجهة، والإيداع في مراكز الإصلاح – على الأحداث هو خطأ قانوني وتربوي. ففي المغرب، المادة 467 من قانون المسطرة الجنائية تجيز لقاضي الأحداث اتخاذ تدابير الحماية، لكن النيابة العامة كثيرًا ما تطلب الإيداع. في موريتانيا، المادة 113 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل تنص على أنه يجب على قاضي التحقيق المكلف بالأطفال أن يقوم بالأبحاث الضرورية بشكل عاجل. لكن العجلة قد تؤدي إلى انتهاك حقوق الحدث. مثال: في قضية من عام 2022 أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، قضت غرفة الاتهام بإلغاء قرار إيداع حدث (15 سنة) في مركز الإصلاح بناءً على طلب قاضي التحقيق، معتبرة أن الإيداع لم يكن ضروريًا وأن التحقيق كان يمكن أن يتم في حالة سراح. هذا القرار يؤكد أن الإيداع ليس الحل الوحيد، بل هو خطير على نفسية الطفل.
الضمانات المفقودة: غياب الخبرة النفسية والمحامي الدائم
في المغرب، قانون المسطرة الجنائية يفرض حضور محامٍ مع الحدث (المادة 467/3)، لكن الواقع أن العديد من الأحداث لا يتوفرون على محامٍ في بداية التحقيق. في موريتانيا، المادة 113 من الأمر السالف الذكر تنص على إخبار وكيل الجمهورية فور توقيف الطفل، لكن لا يوجد نص صريح يوجب حضور محامٍ في أول استجواب. هذا ثغر كبير. أتذكر قضية أمام المحكمة الابتدائية بنواكشوط الغربية عام 2021، حيث تم استجواب حدث (16 سنة) بدون محامٍ، واعترف تحت الضغط. لاحقًا، تراجع عن اعترافه، لكن المحكمة استندت إليه في الإدانة. لو كان محامٍ حاضرًا، لكان بإمكانه التوجيه. الضمان الآخر المفقود هو الاستعانة بخبير نفسي: في كلا القانونين، لا يوجد إلزام بإجراء تقييم نفسي للحدث قبل التحقيق. هذا يعني أن القاضي قد يستجوب طفلًا يعاني من صدمة نفسية دون مراعاة حالته.
مقارنة التشريعات: المغرب أكثر تفصيلاً، موريتانيا تحتاج إصلاحًا
القانون المغربي أكثر تفصيلاً في ما يخص قضاء الأحداث. فظهير 10 سبتمبر 1958 المتعلق بحماية الطفل الجانح (الملغى) أعقبه قانون 18-00 المتعلق بحماية الطفل، الذي يعطي صلاحيات واسعة لقاضي الأحداث. لكن المشكلة في التطبيق. في موريتانيا، قانون حماية الطفل لسنة 2017 (القانون 2017-022) أنشأ محاكم للأطفال، لكن النصوص التنظيمية ما زالت ناقصة. من أبرز السلبيات المشتركة: طول مدة التحقيق الإعدادي. ففي المغرب، يمكن أن يستمر التحقيق مع الحدث لأشهر في حالة الإيداع، مما يقطعه عن أسرته ومدرسته. في موريتانيا، المادة 113 تنص على أن الأبحاث يجب أن تكون “على نحو عاجل”، لكن لا يوجد سقف زمني محدد. هذا يؤدي إلى احتجاز الحدث لفترات طويلة دون محاكمة. في رأيي، يجب أن يكون الحد الأقصى للتحقيق الإعدادي مع الحدث أسبوعين، وإلا وجب عرضه على قاضي التحقيق للإفراج عنه.
كيف نحمي الحدث؟ استراتيجيات دفاعية وأحكام النقض
كمدافع عن الأحداث، أرى أن أفضل استراتيجية هي الطعن في إجراءات التحقيق الإعدادي بمجرد وجود أي خرق للقانون. في المغرب، قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض سابقًا) عدد 5545 بتاريخ 08 دجنبر 1977 أكد أن الفصل بين التحقيق والحكم هو مبدأ أساسي، وأنه لا يمكن أن يصدر حكم من قاضٍ سبق له النظر في القضية كقاضي تحقيق. هذا المبدأ يجب الدفع به بقوة عندما يحاول قاضي التحقيق تجاوز صلاحياته. في موريتانيا، يمكن الطعن في قرارات قاضي التحقيق أمام غرفة الاتهام (المادة 72 من قانون الإجراءات الجنائية). أنصح دائمًا بتحرير مذكرة دفاعية مفصلة تبرز انتهاكات الإجراءات، مثل عدم حضور المحامي، أو غياب التقييم النفسي، أو طول مدة الإيداع. ولا تنسَ المطالبة بالتعويض المدني إذا تضرر الحدث من الإجراءات التعسفية.
خلاصة: التحقيق الإعدادي ضروري لكن بشروط
لا يمكن إلغاء التحقيق الإعدادي مع الأحداث، لكن يمكن تحسينه. المغرب وموريتانيا بحاجة إلى:
- إلزامية حضور محامٍ مع الحدث في أول استجواب.
- إجراء تقييم نفسي واجتماعي قبل أي قرار بإيداع.
- تحديد سقف زمني للتحقيق لا يتجاوز 30 يومًا.
- تدريب القضاة المكلفين بالأحداث على علم نفس الطفل.
هذه ليست مجرد اقتراحات، بل هي حقوق أساسية للطفل الجانح، الذي لا يجب أن يكون ضحية ثانية للعدالة. أنت، كقاضٍ أو محامٍ أو حتى كمواطن، تستطيع المساهمة في تغيير هذا الواقع. اطّلع على أحكام محكمة النقض المغربية وقارنها بالقوانين الموريتانية. الملفات متاحة، والحق ينتظر من ينصره.
COMMENTS