قرار محكمة النقض المغربية يقرر أن الطفل المولود نتيجة اعتداء جنسي يستحق تعويضا دوريا يشبه النفقة، حتى مع نفي البنوة الشرعية، تأسيسا على المس...
قرار محكمة النقض المغربية يقرر أن الطفل المولود نتيجة اعتداء جنسي يستحق تعويضا دوريا يشبه النفقة، حتى مع نفي البنوة الشرعية، تأسيسا على المسؤولية التقصي…

القرار الذي هزّ المشهد القضائي

لم يكن المتوقع أن تصدر محكمة النقض المغربية، في 15 أبريل 2025، قرارا يقلب الموازين. ففي الملف المدني عدد 227/1/1/2025، جاء الحكم ليؤكد أن الطفل المولود من علاقة غير شرعية، ناتجة عن اعتداء جنسي، يستحق تعويضا دوريا يُصرف له شهريا، شبيه بالنفقة. القضية بدأت من دعوى أم قاصر لطفل وُلد في 24 غشت 2022، إثر اغتصاب استغل ضعف قواها العقلية. محكمتا الحسيمة رفضتا الطلب، متشبثتين بالمادة 148 من مدونة الأسرة التي تنفي آثار البنوة الشرعية خارج الزواج. لكن محكمة النقض قالت رأيا آخر.
لماذا رفضت المحاكم الابتدائية والاستئنافية؟

التفسير بسيط: المادة 148 واضحة. لا نسب لطفل من علاقة غير شرعية. وبالتالي، لا نفقة. لكن السؤال الذي طرحته محكمة النقض هو: هل طلب الأم كان حقا إثبات نسب أم تعويضا عن ضرر؟ الجواب كان حاسما: الطلب كان تعويضا مدنيا على أساس المسؤولية التقصيرية، لا طلب بنوة. وهنا يكمن الفرق الجوهري.
المسؤولية التقصيرية تنقذ الموقف
قانون الالتزامات والعقود المغربي لا يفرق بين الطفل الشرعي وغيره عندما يتعلق الأمر بالتعويض عن ضرر مادي. الفعل الجرمي (الاغتصاب) هو الخطأ. الطفل هو الضرر. العلاقة السببية واضحة. إذن، التعويض واجب. هذا هو منطق محكمة النقض. لا يمكن أن يفلت الجاني من المسؤولية المدنية لمجرد أن القانون الأسري لا يعترف بالبنوة. المادة 148 تبقى سارية على البنوة، لكنها لا تحجب واجب جبر الضرر.
التوفيق بين "الزاجر" و"الجابر"
القرار لم يلغِ المادة 148، بل مزج بين مبدأين: الزاجر (العقوبة الجنائية للجاني) والجابر (تعويض الضحية). وهكذا، حافظ على شرعية الأسرة، وفي الوقت نفسه حمى الطفل. هذا توازن دقيق، يستند إلى الفصل 32 من الدستور المغربي الذي يضمن حماية الطفل، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل. المصلحة الفضلى للطفل لم تعد شعارا، بل أصبحت أساسا للحكم.
ماذا يعني هذا عمليا؟
أولا، على المحامين تغيير استراتيجيتهم. لم يعد كافيا رفع دعوى بنوة أو نفقة. المطلوب الآن هو رفع دعوى مسؤولية تقصيرية تطالب بتعويض دوري "بمثابة نفقة". هذا التعويض يغطي الغذاء والكسوة والعلاج والتعليم. ويمكن تعديله تبعا لاحتياجات الطفل. ثانيا، على القضاء التحقيق في رابطة السببية بين الجريمة والولادة. قد تحتاج المحكمة إلى خبرة بيولوجية أو شهود. ثالثا، هذا القرار يفتح الباب أمام حالات مماثلة: اغتصاب، زنا محرم، أو حتى استغلال جنسي.
نقد القرار: هل هو كافٍ؟
بالرغم من أهمية القرار، يبقى سؤال: لماذا يتحمل الطفل عبء إثبات السببية؟ والأم التي تعرضت للاعتداء، أليست هي أيضا ضحية تستحق تعويضا؟ القرار ركز على الطفل فقط. لكنه مع ذلك، خطوة عملاقة. القضاء المغربي بدأ يأخذ حقوق الطفل على محمل الجد. ولم يعد بإمكان الجاني الاختباء وراء المادة 148. إذا كنت محاميا، هذا هو الوقت المناسب لتحديث مرافعك. إذا كنت ضحية، اعلمي أن القانون الآن معك.
COMMENTS